|
أشداء على الكفار رحماء بينهم
إن الأمة المسلمة التي اختارها الله تبارك وتعالى لتكون خير أمة أخرجت للناس لها مواصفات خاصة وسمات متميزة ، من أبرزها الوصفان اللذان ذكرهما الله عز وجل في كتابه الكريم بقوله : ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) وبقوله : ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) .
فالأمة التي يتراحم أفرادها فيما بينهم ، وتكون عزيزة قوية في وجه أعدائها أمة تستحق التقدير وهي أهلٌ لتنال المجد والسؤدد .
و لقد عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ترسيخ مفهوم هاتين الصفتين في نفوس المسلمين الأولين وذلك من خلال توجيهاته ودروسه وأخلاقه وسلوكه .
أما صفة الرحمة فأول درجاتها التواضع وخفض الجناح للمؤمنين ، ولذلك كثيراً ما كان يركِّز هذا المعنى في نفوسهم فكان مما قاله : ( إن الله تعالى أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يبغيَ أحدٌ على أحدٍ ولا يفخرَ أحدٌ على أحد ) وقال : ( كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على أعجمي ولا للأبيض على أسود إلا بالتقوى ) ، وكان يهتم بالبسطاء من الناس ويكرمهم ويُظهر السرور بلقياهم فيقول لعمار بن ياسر رضي الله عنه: ( مرحباً بالطيب المُطَيَـَّب ) ويقول لعبد الله بن أم مكتوم وهو صحابي ضرير رضي الله عنه : ( مرحباً بمَن عاتبني فيه ربي ) .
و لقد سار المسلمون الأولون من الصحابة والتابعين على النهج الذي خطه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاشوا متراحمين متآلفين متعاونين لا يشعر الفقير بفقره ولا يتكبر الغني بغناه ، فبرئت حياتهم من البغي والظلم والأحقاد ، وعمَّ فيها الحب والعدل والمساواة ، وكان القادة وكبار الشخصيات في مقدمة المجتمعات المسلمة تواضعاً ورحمة وخدمة للمسلمين ، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يُحضِّر الطعام للناس في عام الرمادة وينفخ النار لأجل ذلك ، وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه يُلبس غلامه من ثيابه ولا يتميز عليه بطعام ولا شراب ، وهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه يسلِّم نفسه لغلامه ليقتدَّ منه .
وكما أن المسلمين متراحمون فيما بينهم متواضعون لبعضهم ، فهم أيضا أعزاء شامخو الرؤوس تلبسهم هيبة وقوة شخصية أمام أعداء الإسلام والطامعين في أرض المسلمين وأوطانهم ، فلا يعرف فيهم العدو ليناً أو ضعفاً ولا تخاذلاً أو تهاوناً ، ولا ننسى ما فعله خبيب بن عدي رضي الله عنه وهو يقف على خشبة الموت يصدع بكلمة الحق أمام قاتليه من مشركي قريش ، وكيف كان ردُّ هارون الرشيد على زعيم الروم حين أراد الغدر بالمسلمين .
وهكذا عاشت أمة الإسلام في عصور مجدها وعزها أمة مرهوبة الجانب رفيعة المقام.
|