رمضان والتوبة
" يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ
أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ " بهذا النداء الودود الشفيق ينادي مناد
الله تعالى عند دخول أول ليلة من رمضان .. إنه نداء للإقبال على الله تعالى لعباد
الله أجمعين : لمن كان منهم يريد الخير فهذا شهر الخيرات والفضائل ، فليقبل ويتزود
من الخيرات ؛ ومن كان من العباد يبتغي الشر فالمنادي يقول له : أقصر .. أي : امتنع
عن الشر .. اتركه .. تب إلى الله تعالى وأقبل عليه بقلب منيب ، فإنك في شهر الخير ،
ولا يناسب أن تكون فيه مبتغيًا للشر .
إن كل شيء في رمضان يساعد من يريد التوبة
على الإنابة والرجوع إلى الله تعالى ، فهو يجد فيه من العون ما لا يجده في غيره ،
فالقلوب على ربها مقبلة ، وأبواب الجنان مفتحة ، وأبواب النيران مغلقة ، وأبواب
الرحمة مفتحة ، وأسباب الشر مضيقة ، والشياطين ومردة الجن مصفدة ، وأنواع الطاعة من
فروض ونوافل ميسرة ، وفيه تعتق الرقاب من النار ؛ وكل ذلك مما يعين المرء على
التوبة والرجوع إلى الله ؛ روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ
النَّبِيَّ صلى الله عليه و سّلّم قَالَ : " إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ
أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ " وفي رواية لمسلم : " فُتِّحَتْ
أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ
" ، ورواه الترمذي وابن ماجة بلفظ : " إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ
رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ
النَّارِ ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ،
فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ ، وَيُنَادِي مُنَادٍ : يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ
أَقْبِلْ ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ ،
وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ " ؛ وروى أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ :
لَمَّا حَضَرَ رَمَضَانُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و سلّم: " قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ ، افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
صِيَامَهُ ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، وَيُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ
الْجَحِيمِ ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ
شَهْرٍ ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا قَدْ حُرِمَ " .
إن الحديث عن التوبة حديث يتجدد
مع يوم كل مسلم ؛ إنه حديث الفهم التام لطبيعة الإنسان والذي نجده في قول نبي
الإنسانية صلى الله عليه و سلّم: " كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ "
.
وإذا كان الله عز وجل قد دعا عباده المؤمنين إلى التوبة الصادقة النصوح في كل
زمان فقال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً
نَصُوحًا } [ التحريم : 8 ] ، فإن التوبة في رمضان أولى وآكد ، لما ذكرنا من
الأسباب التي تعين على التوبة .
فإن كان الحديث عن التوبة يحسن في كل حين ، لكن
يطيب ذكره أكثر في رمضان ؛ لأنه موسم للرجوع والإنابة ، والنفوس تجد في هذا الشهر
عونا على التوبة من الأخطاء والسيئات أكثر من غيره .
والتوبة النصوح هي الخالصة
الصادقة التي تقع لمحض خوف الله وخشيته والرغبة والرهبة له سبحانه ؛ الجازمة التي
تلم شعث التائب وتجمعه وتكفه عما كان يتعاطاه من الدناءات ؛ سئل عمر رضي الله عنه
عن التوبة النصوح فقال : أن يتوب الرجل من العمل السيئ ثم لا يعود إليه أبدًا ؛
ولهذا قال العلماء : التوبة النصوح : هو أن يقلع عن الذنب في الحاضر ، ويندم على ما
سلف منه في الماضي ، ويعزم على أن لا يفعل في المستقبل ، ثم إن كان الحق لآدمي رده
إليه بطريقه .
ومنزلة التوبة - كما يقول ابن القيم رحمه الله : هي أول المنازل
وأوسطها وآخرها ، لا يفارقه العبد ولا يزال فيه إلى الممات ، وإن ارتحل إلى منزل
آخر ارتحل به واستصحبه معه ونزل به ؛ فالتوبة هي بداية العبد ونهايته ، وحاجته
إليها في النهاية ضرورية ؛ كما أن حاجته إليه في البداية كذلك ؛ فقد قال تعالى : {
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ } [ النور : 31 ] ، وهذه
الآية في سورة مدنية ؛ خاطب الله بها أهل الإيمان وخيار خلقه أن يتوبوا إليه بعد
إيمانهم وصبرهم وجهادهم ، ثم علق الفلاح بالتوبة تعليق المسبب بسببه ، وأتى بأداة (
لعل ) المشعرة بالترجي ، إيذانًا بأنكم إذا تبتم كنتم على رجاء الفلاح ، فلا يرجو
الفلاح إلا التائبون ... جعلنا الله منهم ؛ وقال تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَتُبْ
فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } [ الحجرات : 11 ] ، قسَّم العباد إلى تائب وظالم
، فليس ثَمَّ قسم ثالث البتة ، وأوقع اسم ( الظالم ) على من لم يتب ، ولا أظلم منه
لجهله بربه وبحقه ، وبعيب نفسه وآفات عمله .ا.هـ .
وروى مسلم في صحيحه عَنْ
أَبِي مُوسَى رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه و سلّم
قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ عز وجل يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ
النَّهَارِ ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ ، حَتَّى
تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا "؛ فإذا كان ذلك في كل يوم ، فكيف برمضان ،
الذي يصوم العبد نهاره ، ويقوم ليله .. فيكون أقرب إلى الله تعالى عبادة وأقرب
قبولا لتوبته ؛ إنه فرصة عظيمة لا يضيعها عاقل .
وهكذا يجد المتأمل الناس في
رمضان على حال من الطاعة أفضل من غيره ؛ فالمساجد ممتلئة بالمصلين ، ومجالس العلم
تزدحم بالمستمعين ، ومقارئ القرآن يكثر فيها التالون ، كما يجد الذاكرين والقارئين
لكتب العلم ... إلى غير ذلك من المظاهر التي تدل على رجوع هؤلاء إلى الله ... ثبتنا
الله وإياهم .
إلا أننا نجد تفاوت الناس في الاستمرار على هذه الحالة ، وتطويع
النفس عليها على الدوام : فمن الناس من يرجع إلى ما كان عليه قبل رمضان - من ترك
الواجبات ، وفعل المحرمات - عندما يرى هلال شوال ؛ وهذا الصنف يحتاج إلى مراجعة
شديدة للنفس ؛ وتقوية لإرادة الخير ، ومجاهدة لنفسه وللشيطان .. إن كان يريد النجاة
! ويقال لهؤلاء : إن رمضان محطة للتزود ، ووسيلة لتربية النفس في رمضان وبعد رمضان
، وبئس القوم لا يعرفون الله ويخشونه إلا في رمضان .
ولهذا الصنف يقال أيضًا :
اتق الله تعالى ، فإنك لله عبد في رمضان وفي غيره ، وعليك أن تقوم بحق العبودية حتى
يأتيك الموت ؛ قال الله تعالى : { وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
} [ الحجر : 99 ] ؛ فليست النجاة في أن تتوب لأيام ، إنما النجاة في أن تتوب على
الدوام : { إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ
يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } [
الفرقان : 70 ] .
وصنف آخر من الناس يستمر على الطاعة بعد رمضان مدة ، لكنه يضعف
عن المداومة ، ولعله يستجيب لتزيين الشيطان له فعل المعصية ، أو يطاوع رفقة سوء كان
يصحبها ، فيعود إلى بعض ذلك ، ويقال لهؤلاء : اتقوا الله ، ولا تنقضوا توبتكم ، ولا
تبطلوا أعمالكم ، واعلموا أن التوبة تتجدد ، فجددوا توبتكم ، واتركوا مصاحبة
الأشرار ، واحرصوا على مصاحبة الأبرار ، يعينوكم على صدق التوبة ، فتكون النجاة
بإذن الله الغفار .
وصنف ثالث ، وهم الأخيار الذين وفقهم الله لتزكية نفوسهم في
رمضان ثم واصلوا تزكيتها ، وداموا على توبتهم ، و { إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ
الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ } [ الأعراف : 201 ] ، فتابوا
وأنابوا واستغفروا وجددوا عزمهم على الطاعة ، فهم في جهاد دائم لأنفسهم وللشيطان
حتى يلقوا ربهم .
فاربأ بنفسك - أيها القارئ - أن تكون من الصنفين الأولين ؛ بل
اجعل من رمضان فرصة لتزكية نفسك طيلة أيامك ومدة حياتك ؛ فالله تعالى يقول : { قَدْ
أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا } [ الشمس : 9 ] ، أي : طهرها من الذنوب ورقاها بطاعة الله
، وعلاها بالعلم النافع والعمل الصالح ؛ وإياك وتدنيس نفسك الكريمة بالرذائل ،
واستعمال ما يشينها ويدسيها ، فالله يقول : { وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [
الشمس : 10 ] ، أي : أخفاها في مزابل المعاصي ، وأمات استعدادها للخير بالمداومة
على اتباع طرق الشيطان وفعل الفجور .
إن رمضان فرصة عظيمة للتعود على الطاعة ثم
الثبات عليها .. إنه فرصة عظيمة للصدق مع الله تعالى في أيامه ولياليه ، ومداومة
الصدق بعد ذلك حتى ينال الصادق ما أعده الله للصادقين ؛ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } [ التوبة : 119 ] ؛ إن
هذه الآية جاءت مع آية توبة الله تعالى على الثلاثة الذين خلفوا ... إنهم كانوا
صادقين ، فقال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } ؛ اللهم اجعلنا من الصادقين .